ابن حزم

446

الاحكام

فإن قال قائل : ما الفرق بين البداء والنسخ ؟ قيل له وبالله تعالى التوفيق : الفرق بينهما لائح ، وهو أن البداء هو أن يأمر بالامر والامر لا يدري ما يؤول إليه الحال ، والنسخ هو أن يأمر بالامر والامر يدري أنه سيحيله في وقت كذا ولا بد ، قد سبق ذلك في عمله وحتمه من قضائه ، فلما كان هذان الوجهان معنيين متغايرين مختلفين ، وجب ضرورة أن يعلق على كل واحد منها اسم يعبر به عنه غير اسم الآخر ليقع التفاهم ، ويلوح الحق ، فالبداء ليس من صفات الباري تعالى ، ولسنا نعني الباء والدال والألف ، وإنما نعني المعنى الذي ذكرنا من أن يأمر بالامر لا يدري ما عاقبته ، فهذا مبعد من الله عز وجل ، وسواء سموه نسخا أو بداء أو ما أحبوا ، وأما النسخ فمن صفات الله تعالى من جهة أفعاله كلها ، وهو القضاء بالامر قد علم أنه سيحيله بعد مدة معلومة عنده عز وجل ، كما سبق في علمه تعالى . ولسنا نكابر على النون والسين والخاء ، وإنما نعني المعنى الذي بينا ، وسواء سموه نسخا أو بداء أو ما أحبوا من الأسماء ، ولكن اسمه عند النسخ ، وبهذه العبارة نعبر عن هذا المعنى الذي لا يخلو الله تعالى فعل منه أصلا في دار الابتلاء ، وكل شئ منها كائن فاسد ، وهذا هو النسخ ، وهو نوع من أنواع الكون والفساد الجاريين في طبيعة العالم بتقدير خالقه ومخترعه ومدبره ومتممه لا إله إلا هو . واسم الصفة الأولى عندنا البداء فيها ، يعبر عن هذا المعنى الذي هو من صفات المختارين من الإنس والجن وسائر الحيوان ، وهو خلق مذموم ، لأنه نتيجة الملل والندم والسآمة ، وهذه الأخلاق منفية عن الملائكة بنص القرآن ، فكيف عن الباري تعالى فهذا فرق ما بين البداء والنسخ قد لاح ، والحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم . قال أبو محمد : والنسخ قبل حلول الوقت الذي علم الله عز وجل أنه يحيل فيه الحال ممتنع في الوجود ، لا في قدرته تعالى على ذلك ، وهو عندنا في ظاهر الامر ممكن . قال أبو محمد : وهو في وقت حلوله وبلوغ أمده الذي قدره تعالى كائنا فيه واجب وهو - بعد أن علمنا الله عز وجل أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم - ممتنع لا سبيل